Feat

Searching...

المقامـــة الإبراهيميّة بقلم : البشير بوكثير رأس الوادي

يونيو 15, 2013


 المقامـــة الإبراهيميّة
بقلم : البشير بوكثير رأس الوادي

-الإهداء: إلى روح جدّي الأكبر الشّيخ محمد البشير الإبراهيمي – عليه شآبيب الرّحمة والغفران من الواحد الدّيّان- أهدي هذه المقامة في ذكرى وفاة العلاّمة .

حدثنا البشير السّحمداني قال:

شدّني الحنين إلى مرابع قبيلة شيخي الأمين ، وبعد مسيرة نصف ساعة، كانت نفسي تتوق ملتاعة ، لرؤية الشّمس اللمّاعة ، والقريحة المنصاعة ، بل لمعدن الوَضاءة والمـَـلاحة، وملك البلاغة والفصاحة ...

وصلتُ القرية والمحلّة ، وكانت الطّلّة... فما أحلى الطّلّــة على قرية "سيدي عبد الله" بالخرزة القبلية تزول الأسقام و تختفي العِلّة ، وبخاصّة إذا اكتست أبهى حُلّة، وتبرقشتْ ريحانةً وفُلّة ، وفاضتْ مثل مُزْنة مُنهلّة.

وصلتُ الخرزة القبلية فوجدتها تتلألأ بالحُلل السّندسية ، وتسطعُ بالأنوار السّنيّة ، والأزهار الشّذيّة ،وترفل في فُرُشٍ خضراء نديّة ، وآكامٍ غضّةٍ طريّة ، تتمايل تمايلَ الحسناء البهيّة، في ليلة قَمريّــة .

وجدتني في مرابع قبيلة "أولاد ابراهم" ،مهد الفقه والعلم وسَمْتِ العمائم، ومُحطّمة أسوار البدع والتّمائم ...وصلتُها شبهَ نائم ، بل قُلْ بسحرها هائم ، وفي هواها سابح هائم، وعن القول عَيِيّ صائم، ولزيارتها لستُ بِنادم .

وبعد بضعة أمتار مَسير ،كنتُ شبهَ أسير، بهوائها العليل مثل الإكسير ، التقيتُ بشيخ كبير، يرتدي الجبّة والعمامة ، كأنّه من قبيلة "تهامة "... طويل القامة، ناصع الهامة، فقلت هل تأذن لي بالنّزول إلى المرابع لأدبِّجَ مقامة،تليق بالشّيخ البشير العلاّمة؟

قال : على الرّحب والسّعة، لكن لاتكن ثرثارا وإمّعة..

تنزّهتُ معه في المروج، واتّخذتُ صهوةَ يراعي مثل السُّروج ،ثمّ بَسْملتُ ورتّلْتُ (والسّماء ذات البروج)، وتأهّبتُ للصّعود وللعُروج.

أسندتُ ظهري إلى بيت عتيق، كأنّ حجارته من دُملج وعقيق...

قال: استمع يا ولدي الأنيق، والحسّاس الرّقيق :

هو الشّيخ الفقيه ، والعلاّمة النّبيه ، لاتكْفِه مقامة، ولاتُضاهيه في الجزائر قامة، فهو في خدّها خانة و خامة وَشامة .

هو محمد البشير، العالم الكبير ، والجهبذ النّحرير، والأديب اللبيب، والشّاعر الأريب، هو من أشرف القوم أصلا ومحتدا، وصدرا وموردا، ونجما وفرقدا، كان غُصّةً في حُلوق العدى ،أذاقهم السّمّ الزّعاف بل الرّدى، وكان للصّحب غيثا وموردا ، ومنهلا للجُود والنّدى، ماغرّدَ طائرٌ أو شدا ، والحمد لله لم تذهبْ جهوده سُدى .

يعود نسبه إلى الأشراف الأدارسة، ذوي الأطلال الباقية لا الدّارسة ،الضّاحكة لا العابسة ، فأكرمْ ياولدي بالأشراف الأدارسة !

لقد عاش في هذا البيت، على قنديل الزّيت ، لايؤمن بـ"لو" ولا بـ "ليت"...!

علّمه عمّه "محمد المكي" الأصول والمُتون، ولقنه شتىّ ضُروب العلوم والفنون، فأتى بمالم يأتِ به الأوّلون، فقرّتْ به العيون، ونام مِلْءَ الجفون،مثلما نام "أبو الطيّب" في تلك السّنون.

بعدها يمّم شطر تونس الخضراء وتفيّأ ظلالَ "الزيتونة" الميمونة بجامعها العتيق، ودرسِها المُمّحص الدّقيق...

ارتشفَ من منهل" الزيتونة"، تلك الجامعة الميمونة، والدّرّة المصونة ، والجوهرة المكنونة، في أفئدة كل جزائري ساكنةً مدفونة، لكن وا أسفا على الزّيتونة ...!، صيّرها أراذلُ القوم اليوم مَهيضةَ الجناح مغبونة.

ثم غادر إلى مصر المحروسة ،في رحلة قصيرة مدروسة ، طلبا للعلوم النّفيسة المحسوسة ، وهناك التقى بقادة الرأي وأعلام الفكر، وجهابذة العصر،ومصاقعة الدّهر ، من كل قُطْر ومَصر ، فأفاد واستفاد، ونهل من أزهرها الشّريف خير زاد، فصار في الورى الأسّ والعِماد.

بعدها غادر إلى الحجاز ، مهبط الوحي ومصدر الإعجاز،وسكنَ المدينة ، فتحرّكت لواعجُه الدّفينة ، وهناك التقى رفيق دربه، وبُطينَ قلبه" ابن باديس" الإمام، والمصلح الهُمام ، والأسد الضّرغام، في ساحِ مُقارعة اللئام الأشرار، فتدارسا أحوال الجزائر تحت نيـْر الاستدمار.

وبعد ثورة الحسين الشّريف - وماهو بشريف من يتحالف مع العدوّ ويُناصرالزّيف، ويقلبُ ظهرَ المِجنّ للطّاهر العفيف-، يهاجرُ العلاّمة الهُمام ، إلى بلاد الشّام ، فتبتسم له الأيام، وتُرخي له الزّمام.

وهكذا ساقته الأقدار، بعد حنين وادّكار،إلى شآم الأحرار، وهناك حلّق وطار ، وصار أشهرَ من علم فوقه نار ...

أنشدَ للغوطة الغنّاء ،مواويلَ تُقطّع القلوب وتُمزّق الأحشاء ، وشدا لدمشق الفيحاء، و ترنّم لحلب لشهباء ، روائع الدّرّ وغنج الدّلال، بل السّحر الحلال، والماء الزّلال بلا جدال.

لقد خلّف ضراغمةً وأشبالا ، وربّى لُيوثا و رجالا ، صاروا فهودا وأسودا وأبطالا ، رضعوا لبان علمه شهْدا و حليبا، فنبغَ فيهم "جميل صليبا" ...

عرفه الجامع الأموي ، في عصره الذهبيّ، فكان نِعم الأستاذ اللغويّ، والشيخ المربي الأبيّ...

ولمّا نادى المُنادي ، حيّ على الجهاد، لبّى النّداء، وعاد للجزائر الجريحة الولهاء، وأسّس رفقة "أخيه" جمعية العلماء ، لإحياء ماضٍ تليد، وتاريخ مجيد، حاول طمسَه الاستدمار الرّعديد .

لقد قيّض الله تعالى للجزائر خير جمعية أُخرِجت للنّاس، كانت الأساسَ والنّبراس ، بل الرّوح والأنفاس ، والسّوسن والآس، هي جمعية العلماء رافعة الهمّة والرّاس ، وبالغةُ القمّة ياناس !

قادها رُوّادُ أعمال، لامَاضِغِي أقوال، هم رجالٌ ليسوا كباقي الرّجال، وأبطالٌ ليسوا كباقي الأبطال ،نَسُوا في خدمتها الكرى والشّهوات، فَجابوا المداشر والفلوات، ونادموا الذّخائر والدّفاتر، وسامروا -كما قيل قديما- القماطر والمحابر ، ونظموا القلائد الثّمان، بالزّبرجد والعُقيان ،في جِيدِ الزّمان، وتركوا أياتهم الحِسان ، شاهدةً على مآثرهم عبر الأزمان .

لقد أجالوا في هموم الأمّة أبصارهم، وبـثُّـــوا فيها أفكارهم، ووصلوا ليلهم بنهارهم ، وأنفقوا في الذّود عن حياض العلم أعمارهم ، فتفتّحتْ في رُبى الجزائر المكلومة أزهارهم، وتعطرت بعبقهم وتكحّلت بأنوارهم، فكانوا الهداة الأباة، في عصرالبدع والخرافات .

وهنا بسْمل الشّيخ وتهلّل، كالبدر حين اكتمل وقال:

يا ولدي الحبيب ، ماذا أقول في شيخين جليلين حاربا الجهل والحيْف، والبدع والزّيف ، ورسما معالم الحقّ بالحكمة لا بالسّيف. أمّا أوّلهما فهو المصلح الفقيه، والزّاهد النّبيه ، والشاعر النّادر، والبحر الهادر ، بل المحيط الزّاخر ، باللآلىء والجواهر .فأكرمْ به من مصلح ثائر ! هو العلاّمة الفهّامة شيخ المصلحين ، ورائد النّهضة الأمين، الشّيخ "عبد الحميد بن باديس" ، قاهر باريس ، وداحر زيف الفرنسيس ، كان نعم الجليس، وخير الأنيس ، فهو الذي بنى عقول النّاشئة وشاد،وارتقى بهم في مدارج الكمال وساد، وما انحرف يوما عن منهجه ولاحاد .

لقد أخذ بيد النّشء إلى الفلاح والنّجاح، وغرس في قلوبهم محبّة آي القرآن والحديث الصّحاح، وأذكى مروءة العرب الأقحاح ، ونشر الخير ونثرَ بُذور الإصلاح، فوق هذه الوهاد والبطاح .

وأمّا ثانيهما فهو ثاني اثنين إذْ هما في الجمعيّة ، بعزيمة قويـّة ، وهمّة ذكيـّة ، وسريرة نقيّة، ونفس أبيّة.إنـّه الأديب اللّبيب ، واللّغوي الأريب، العلاّمة الأمجد، والدرّاكة الأسعد، والنابغة الأوحد... هو -يا ولدي- الفهّامة اللّوذعيّ، والعلاّمة الألمعيّ، والخطيب الأروعيّ، والمُفوّه السّميدعيّ: شيخنا البشير الإبراهيميّ الذي جمع فصاحة اللسان، وقوّة الجنان، ونصاعة البيان، فخجل من سحره سحبان .

لقد فاق "الأصمعيّ" في غريب اللغة والأنساب ، وبـَـزَّ "قُسّ بن ساعدة" في البلاغة وفصلِ الخطاب ، وأغاظ البُلغاء والوُعّاظ في سوق عكاظ ، حتّى قلّده "عبد المالك مرتاض"، فلم يأتِ سوى بالرّذاذ.

أبهر "علي الطنطاوي" في سرعة البديهة، والحافظة العجيبة النّبيهة، فهو كعنترة يوم الوغى والكريهة .

هو من نادى طول المدى : لن يتحرّر جسدٌ يحمل عقلا عبدا ... وأنا أقول صدقت يا شيخي "البشير" فقد كنتَ في نحر "قمير" برقا ورعدا، ومُهنّدا يمانيّا مصقولا صَلدا ، لم يعرف يوما له غمدا، ممتشقا للعلا صُعدا، "ربّي لاتذرني فردا" .

كان أسدا هصورا، وهزبرا على الأهوال جَسُورا، ومُصلحا فذّا صبورا، ومجاهدا غيورا،يبغي تجارةً لن تبور ...

لقد أتى في منفاه بــ"آفلو" بالفرائد، فزيّن الطّروس بالقلائد ، فأكرمْ بها من درر وفوائد ...!

حاز التقدير والوقار، وغرّد في سمائنا مثل الهزّار، فحفظ الأسرار، وبلّغ الرّسالة بكلّ اقتدار ، أكرمْ به من شهم مغوار ، لايشقّ له في ميدان البيان والجهاد غبار ..!

هو من وَشَمَ على جِيدِ الجزائر الحُبّ الصادق، ورسَم على هامتها الوفاءَ الخارق، ووسَم على قامتها الوردَ والزّنابق ، ودبّجَ بالدّمقس والنّمارق ،أحلى الرّقائق، وأقسم في حبّها بـ"السّماء والطّارق "، ولاغرو فهو سليل عقبة وطارق .

ثمّ تنهّد الشيخ وقال : يا بشير ... لقد رمتكُم "أولاد ابراهم" بابنها البار ، وصارمها البتّـار ، وفارسها المغوار ، فكان أشهرَ من نار على علم أو علم فوقه نار ، واستُرْ يا ستّار ، عبدك "البشير بوكثير" من عين الحسّاد والأشرار.

يا ولدي بشير ... إنّ جدّك "البشير"هو الرّجل الرّشيد،و العقد الفريد، والبلبل الغرّيد، والفكر السّديد، والمُربّي الفذّ الصّنديد، ومسطّر المجد التليد ، لأمّة لن تبيد، بعزم يفلّ الحديد، وحزم يقهر الجبان الرّعديد. وهاهي ذكراه ، تتردّد على الشّفاه ، فكيف بربك نسلو عنه أوننساه؟!

قلتُ يا شيخي الوَدود، ذكراه دوما تعود، بالخير والبِشر والسُّعود،فترسم على الشّفاه البسمة واليُمنَ والجود، فكيف ننساه وهاهي ذكراه تتجدّد ويتردّد صداها في الوجود، ولابدّ أن تعود لتأخذ بناصية الأجيال وتقود، إلى المجد والسؤدد والصّعود، وتنثر عبقها مثل العنبر والعود، ويتضوّع أرجُها ليُسكِرَ الزّهر والورود، وأيْمُ الله هذا لساني "لي ياكلوا الدّود" عاجز عن التعبير في حضرة أسد الأسود .

ومهما أسهبتُ وأطنبت، ودندنتُ وأطربت ،فلن أزيد في القمر نورا ،أو في نفوس الورى سرورا . لقد كان السّنا والشعاع، والمؤانسة والإمتاع والإقناع ، وروعة الفكر وقمة الإبداع، وحكايته مع فتنة الضّاد صنعت الدهشة والإمتاع ، وترحاله في أرض الله بسطَ له جناح الفهم والإقلاع بلا شراع .

لقد تعرّفتُ على فكره منذ الصّغر ، فطافت بخَلدي أحلى الصّور، معلّما مصلحا يريد الظّفَر، يبني العقول يدكّ الحجر ، فيصنع في سنوات ، شبه معجزات، وتصير الفيافي بساتين خصبٍ ربوع نماء وحياة .

حارب الجهل والجمود، وقطع آلاف الحدود، متحديا كلّ القيود ، كاسرا جدران السّدود، فطلع النهار ، وأزهرت القفار، وتحقّق الانتصار ، على فلول الاستدمار، وانجلى الصّقيع، وأمْرعَ عشبُ الرّبيع، واكتسى بالوشي البديع ، معلنا ميلاد شعبٍ لا يبيع ، حفنةً من ثرى الوطن المنيع .

حديثك العذبُ -شيخي- تذوقناه عذبا، أينع زهرا وحَبّا ، وأورقَ وفاءً وحُبّا ، وسكن فؤادا خاليا واستوطن قلبا ، يهيم بحبّ الضادّ وينجذب إليها جذبا .

كلماتك-شيخي- ضمّدت جروحي، وبلْسَمت قروحي، وسمَتْ بمهجتي وروحي ، وشادت في الورى صروحي، وكانت ملهمتي بل نبضي وبوْحي ...

نهض الشّيخ متلهّف، بكلِمٍ راقٍ مُهفهف، ثمّ أردف:

يا ولدي بشير... هل يوجد أشجع ممّن عمل في أشرف ميدان،وذاد عن حرمة التعليم الحرّ والإصلاح بأقوى سلاحٍ وأمضى سِنان ؟ وهو ميدان بناء الإنسان ، وتهذيب القرائح والأذهان ؟ قلتُ يا شيخ : لقد بلّتْ نفحاته وشوارده اللغوية ما في جوانحي من الصّدى ، وأنعشتْ عقلي الكليل انتعاشَ الزّهر بِلَثْمِ قَطْرِ النّدى ، وهزّتني فصاحتُه هزّةَ النّشوان، وسَحرتْني آياتُه الحِسان ، فجعلتني مثل العربيد السّكران -وإنّ من البيان لسحرا - ، هكذا نطق العدنان.

بعدها استند الشيخ على الجدار ثمّ استدار ورددّ:

احفظ وصاياه يا بشير ، ولتكن خير مُؤتمن على علمه الغزير ، لقد ناجى الوطن الحبيب ،بكلام يفوق النّسيب والتّشبيب فقال: " أيها الوطن الحبيب ، أمّا الشوق إليك فحدّث عنه ولاحرج، وأما فراقك فشدّة يعقبها الفرج، وأما الحديث عنك فأزهار تضوّع منها الأرج، وأمّا مارفعتُ من ذكرك فسلْ من دبّ ودرج ، وأما الانصراف عنك فإرجافٌ بالغيّ لم يُجاوزْ صاحبه اللوى والمنعرج ،وأمّا الأوبة فمازلتُ اسمع الواجب يهتف بي : أنْ يا بشير ، إذا قضيتَ المناسك فعجّل الأوبةَ إلى ناسك...".

قال هل أزيدك يا رمز البشائر ماكتب جدّك في "البصائر"؟

قلتُ ياشيخي الجليل : وهل قال شيئا في فلسطين والجليل؟ قال : لقد قال الكثير ،ومن أروع ماقال : " أيها العرب ، أيها المسلمون! إنّ فلسطين وديعةُ "مُحمـّـد" عندنا ، وأمانة "عُمر" في ذمّتنا ، وعهد الإسلام في أعناقنا ، فلئِنْ أخذها اليهود منّا ونحن عصبة إنّا إذا لخاسرون...".

قلتُ يا شيخَ الفضائل والآداب ، هل قال شيئا في الشّباب ؟

قال : جُلُّ كلامه وجّهه للشباب ، فهم ذخرُ الوطن بلا ارتياب . وممّا قال :" أتمثله حلف عمل ،لاحليف بطالة، وحلس معمل ،لاحلس مقهى ، وبطل أعمال، لاماضغ أقوال، ومرتاد حقيقة ، لارائد خيال... أتمثله بانيا للوطنية على خمس ، كما بُني الإسلام على خمس : السّباب آفة الشباب، واليأس مُفسد للبأس، والآمال لاتُدرك بغير الأعمال، والخيال أوله لذّة وآخره خبال، والأوطان لاتُخدم باتّباع خطوات الشّيطان... أتمثله مقبلا على العلم والمعرفة ليعمل الخير والنّفع،إقبال النّحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد والشّمع... أتمثّله مُحمديّ الشمائل، غير صخّاب ولا عيّاب، ولا مغتاب ولا سبّاب ...

أحبّ منه ما يحبّ القائل:
أحبّ الفتى ينفي الفواحش سمعه*كأنّ به من كلّ فاحشة وقرا.
وأهوى منه ما يهوى المتنبي:
وأهوى من الفتيان كل سميـــــدع* أريب كصدر السّمهــــري المقوّم
خطت تحته العيسُ الفلاةَ وخالطت*به الخيل كبّات الخميس العرمرم
يا شباب الجزائر هكذا كونوا!..أو لاتكونوا!...". ولمّا هممتُ مغادرةَ النّجاد ، بعدما غلبني الكرى والسّهاد، ربّتَ الشيخ على كتفي وقال: ياولدي البشير ... لقد رضع جدّك البشير لبان الضّاد، و تغنّى بها في كلّ ناد ، وحمل رسالة الأجداد، بهمّة أعجزتْ الصّناديد الشِّداد ، وكان لأعدائها دوما بالمرصاد، وهاهو ذا يتركها أمانة بين أيديكم أيها الأحفاد ، فهل تحفظون العهد ، وتذودون عن هذا المجد ؟ قلـتُ : إيه والله يا جدّ ، لن أخون العهد ، حتى أُوسّد في اللّحد ، فلغة الضّاد تسري في قلبي و دمي كما يجري على قرطاسي المِداد، ولو قالوا متخلّفٌ يرتاد ، دكاكينَ الورّاقين في عصر "الآيباد" ! قال : هكذا عهدي بك يا بشير الخير ... وقبل أن أغادر سمعت قول الشاعر محمد العيد آل خليفة يزلزل المشاعر، فوقفتُ شبه حائر، وقلتُ : يا "مصطفى زياتين" لقد صدح "محمّد العيد" حتى بحّ ، فاسمع أبياته السائرة واضرب النحّ:

له قلم إنْ رامَ دفعَ الأذى بــــه *** فرمحٌ رُدينيّ وسيفٌ مُهنّد

وإنْ رامَ إذكاءَ العقول فمشعل*** وإنْ رامَ إرواءَ القلوب فمورد

وإنْ رامَ وصْفا فهو أجمل ريشة *** لأبرعِ رسّامٍ على الفنّ تُسعد

لقد كان للفصحى أباها وأمّها *** ومرجعها إنْ ندّ أو شذَّ مُغرّد

ولمّا أرخى الليل سُدوله، وجرّ ذيوله ، غادرتُ الخرزة القبلية ، وكبدتي مشويّة ، على فراق الأطلال البهيّة ، التي ضمّتْ نفسا زكيّة ، ستبقى في ذاكرتي دوما حيّة .