Feat

Searching...

الأسد فرض لاءاته والعرب يجاملونه سراً وينتقدونه علناً

أبريل 02, 2012
الأسد فرض لاءاته والعرب يجاملونه سراً وينتقدونه علناً
اتفقت الأسرة الدولية ضمنيا على لاءات ثلاث في الأزمة السورية: لا للتدخل العسكري، ولا لإسقاط النظام بالقوة، ولا لتسليح المعارضة. فرض الرئيس بشار الأسد ومعه حلفاؤه الروس والصينيون والإيرانيون معادلة إقليمية وعالمية جديدة جعلت أنصار تسليح المعارضة، وفي مقدمهم السعودية وقطر، في وضع لا يحسدون عليه.
تغير مناخ الأزمة السورية بعد عام على اندلاعها. حقق النظام قفزات عسكرية واختراقات دبلوماسية، بينما 71 دولة اجتمعت في اسطنبول، أمس، تبدو عاجزة عن إسقاطه.
وربما لأن المناخ قد تغير، بدأ عدد من القادة العرب يبعثون برسائل سرية إلى دمشق بغية البحث عن مخارج. تفيد المعلومات بأن طرفا سعوديا بارزا أوضح لمحادثيه السوريين أن ثمة انزعاجا ملكيا من بعض تصريحات وزير الخارجية سعود الفيصل. يقال إن الملك عبد الله لم يشأ منذ البداية كل هذا التورط في سوريا حتى ولو أنه راغب كما الكثير من العرب بوضع حد سريع للعمليات العسكرية السورية.
تفيد المعلومات أيضا بأن البحرين أرسلت مؤخرا رسائل ايجابية إلى دمشق، وفي بعضها رغبة في المساعدة لتهدئة الأوضاع البحرينية. يحكى عن خطوط أمنية تمتد من المنامة إلى دمشق وصولا إلى طهران.
يقال أيضا ان العائلة الأميرية في الكويت، أفهمت دمشق بأنها لم تنس يوما ما قدمه الرئيس الراحل حافظ الأسد للكويت إبان غزوها من قبل العراق. لم يمنع ضغط الحركة الإسلامية الكويتية، بعض أهل السلطة من القول بأن إسقاط الأسد لم يكن أمرا مطروحا بالفعل.
من المعلومات كذلك، أن دولة الإمارات العربية بدأت تفكر جديا في تسهيل الوساطة بين السلطة السورية ومعارضة الداخل. يقول مسؤول إماراتي من أبناء الرئيس الراحل الشيخ زايد: «إننا ندرك استحالة سقوط النظام السوري، ونريد فعليا وقف نزف الدماء، ونرى انه لا بد من المباشرة بحوار جدي بين المقربين من الأسد ومعارضة الداخل، لأن ذلك سيعطي إشارات مهمة للداخل والخارج، ونحن مستعدون للعب دور».
يشار إلى أن وزير خارجية الإمارات زار طهران في آخر شباط الماضي، حيث كان الملف السوري بين أهم مواضيع البحث، ناهيك عن وضع الجالية الإيرانية في الإمارات. يحكى عن وجود 500 ألف إيراني في الإمارات، تصل استثماراتهم إلى أكثر من 300 مليار دولار.
يقول المسؤول الإماراتي نفسه: «لاحظوا أن تشدد مواقف الخليج حيال سوريا بدأ بعد اندلاع مشكلة البحرين. لدى السعوديين معلومات تؤكد أن «حزب الله» هو من أجج الأزمة البحرينية بطلب من إيران، وان دمشق لم تفعل شيئا للجمه»... لكن قوات درع الجزيرة بقيادة السعودية لم تهدئ الوضع في البحرين، لا بد من العودة إذاً إلى من يساعد.
وخليجيا أيضا دخل على الخط مؤخرا الاشتباك الكلامي بين رئيس شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان والشيخ يوسف القرضاوي. تعمد خلفان وضع الإصبع الخليجي على خطورة تقدم الإخوان المسلمين صوب دول المجلس. تبعه انتقاد كبير من قبل حاكم الشارقة للقرضاوي و«الإخوان». الأكيد أن قطر لا تنظر مطلقا بعين الارتياح لهذه الأصوات الخليجية ضد حلفائها الإسلاميين.
يضاف إلى ذلك موقف سلطنة عمان المستمر ضمنيا على ايجابيته حيال دمشق وطهران.
وفي 17 شباط الماضي حمل رئيس وزراء موريتانيا رسالة من الرئيس الموريتاني إلى نظيره السوري تضمنت كلاما اخويا ووديا لافتا. يعتقد بعض الموريتانيين أن قطر التي لم يلق أميرها ترحيبا خلال زيارته الأخيرة لنواكشوط ساهمت في تأجيج المعارضة ضد الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي يعتبر دمشق «السند الأساس للمقاومة العربية».
لو وُضعت كل هذه المواقف مع تلك التي تصدر عن مصر والجزائر والعراق وموريتانيا وغيرها لتبين أن ظواهر المواقف العربية حيال سوريا تختلف تماما عن بواطنها.
قمة بغداد صدمة لقطر والسعودية
تبين من خلال التمثيل السعودي الضعيف في القمة العربية في بغداد، ومن خلال الكلام الخطير الذي أدلى به رئيس وزراء قطر حول «تهميش السنة» في العراق، أن الدوحة والرياض تنظران إلى حكومة نوري المالكي على أنها حليف قوي لإيران وسوريا، ويجب بالتالي معاملتها على هذا الأساس. سارعت الحكومة العراقية، ومعها جماعة علماء العراق التي يترأسها الشيخ د. خالد عبد الوهاب الملا، إلى الرد بقسوة على كلام الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.
لم يكن مفاجئا إذاً أمام التباينات العربية، وأمام الرسائل السرية بين بعض العرب ودمشق، وأمام التسوية الضمنية الروسية الأميركية بشأن سوريا، أن يصدر بيان القمة العربية في بغداد خاليا من أي إشارة إلى تنحي الرئيس بشار الأسد أو إلى تسليح المعارضة. تراجع العرب إلى حدود القبول بخطة كوفي انان وبنودها الستة، التي ينص بندها الأول على «عملية سياسية شاملة يقودها السوريون». بمعنى آخر إن بشار الأسد هو جزء أساسي من التسوية.
تشعر السعودية وقطر بخذلان كبير من المواقف الدولية. لم يكن مريحا للدولتين انه بعيد إعلان وزيري خارجيتي البلدين في مؤتمر صحافي علني عن «تسليح المعارضة السورية»، جاء الرد من الحلفاء الأميركيين يرفض أي تسليح لها. ذهبت واشنطن ابعد من ذلك، ليس فقط من خلال اتهامها تنظيم القاعدة باختراق المعارضة، وإنما أيضا بالاتفاق مع الضيف التركي رجب طيب اردوغان على ضرورة الاكتفاء بالاتفاق على إرسال مواد طبية وبعض أجهزة الاتصال إلى مناطق سورية.
الصفقة الأميركية ـ الروسية؟
يقول دبلوماسي روسي، له علاقة قديمة بدمشق والدول العربية، إن «القمة الأخيرة بين الرئيسين الأميركي والروسي مهدت للكثير من الأمور، ذلك أن باراك أوباما، كما تسرّب من لقائه مع ديميتري ميدفيديف، طلب من موسكو تهدئة الأجواء حتى الانتخابات الأميركية، ووعد بأنه سيسارع إلى إعادة تفعيل مبادئه السياسية التي أعلنها في ولايته الأولى، والتي تصب في خانة التسويات لا الصراعات الدولية». لن يقتصر الأمر على الدرع الصاروخي، وإنما سيشمل أيضا ملفات إيران وسوريا وغيرها.
يؤكد الدبلوماسي الروسي أن لا حرب على إيران، وان زمن إسقاط الرئيس الأسد قد ولى إلى غير رجعة. يقول: «إننا أمام مرحلة التسوية السياسية في الأزمة السورية، لكن الأهم الآن هو إقناع المعارضة بقبول التسوية».
في المنطق الروسي أن على السوريين أنفسهم أن يحددوا نظام الحكم ومن يريدونه رئيسا، وهذا تماما ما سمعه اردوغان في إيران التي قالت له إن تركيا تخطئ في خياراتها لان جزءا مهما من الشعب السوري لا يزال إلى جانب الأسد، فلتكن إذاً صناديق الاقتراع هي الفيصل.
لم يأت اختيار كوفي أنان لتسوية الأزمة السورية بالصدفة. أريد للامين العام السابق للأمم المتحدة أن يجسد «تلاقي المصالح» الدولية. كان الفيتو الروسي، ولا يزال، حاضرا لمنع أي قرار يحصر مسؤولية العنف في سوريا بالنظام أو يطالب بإسقاط بشار الأسد.
حين زار انان الرئيس السوري، أدرك أن خطة الجامعة العربية قد تكسرت على صخرة دمشق. قال الأسد بوضوح انه يستقبل أنان كمبعوث دولي لا كمبعوث مشترك دولي - عربي. وافق أنان على ذلك. كررت دمشق موقفها على لسان الناطق باسم خارجيتها جهاد مقدسي قبيل القمة العربية في بغداد. قالت إنها لن تلتزم بأي شيء يصدر عن الجامعة العربية.
لا مجال للعودة إلى قرارات الجامعة العربية. دمشق جازمة في هذا السياق. يعتبر المسؤولون السوريون أن كل القرارات العربية جاءت بمشيئة قطرية، ثم بضغط قطري سعودي، وان ما تم قبوله قبل الدخول إلى بابا عمرو وحمص، ما عاد مقبولا الآن. قال الأسد صراحة لأنان انه منفتح على الحوار مع المعارضة لكن الحوار يجب أن يجري في سوريا، وبإشراف سوري.
قبل بابا عمرو وبعدها
كان لزيارة الأسد إلى بابا عمرو 3 أهداف: إظهار قوة الدولة، وتحدي التهديدات الأمنية، خصوصا بعد تفجيرات دمشق وحلب، ومخاطبة الجمهور السني بأن ما بعد انتهاء المعركة العسكرية لن يكون انتقاما وإنما «اعمار بأحسن مما كان». هذه رسالة مهمة لبلسمة شيء من جروح الاقتتال المذهبي المقيت الذي عرفته حمص.
وأتبع الأسد زيارته حــمص، بلقاءات عدة مع مشايخ الطائفة الدرزية وزيــارة لقرية قنوات في السويداء للتــعزية بوفاة الـشيخ احمد سلمان الهجري، وهو احد 3 مشايخ عقل عند الدروز السوريين. تخلل ذلك استقبال الأسد للنائب الدرزي اللبناني السابق فيصل الداوود، بعد فترة على استقبال الوزير السابق وئام وهاب.
من يزُر دمشق هذه الأيام فسرعان ما يلاحظ ثقة بالنفس كبيرة عند المسؤولين السوريين. اللافت أن القلق السابق من تطورات لبنانية ضدهم يكاد يتراجع على نحو ملحوظ. سمع بعض مشايخ الشمال اللبناني، وبينهم الشيخ بلال شعبان، حين زاروا دمشق مؤخرا، كلاما يشير إلى قوة الدولة السورية، وحين يثار مثلا موضوع وليد جنبلاط يأتي الجواب جازما: «هو يعرف تماما ماذا فعل ضد سوريا في العام الماضي، وان ما فعله يدخل في باب الخطر على الأمن القومي، ويدرك حلفاؤنا في «حزب الله» أن ما فعلوه لإرجاعه إلى سوريا في الماضي ما عاد مقبولا الآن».
لا يدخل لبنان حاليا في الحسابات الاستراتيجية السورية. تم إدراجه في خانة «المجال الأمني». الأولوية الآن هي لإنهاء المعركة العسكرية وتسريع عجلة الانفتاح السياسي المتمثلة خصوصا بالانتخابات المقبلة. بعد كل ذلك يمكن الاهتمام بالوضع في لبنان، لكن هذه المرة على قاعدة أن «ثمة من ساهم في سفك الدم السوري».
«البريكس» والتوازنات الدولية
يهتم السوريون كثيرا بقمم منظمة البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب أفريقيا). ويهتمون أيضا بالقمم التي يعقدها الرئيس الإيراني مع دول الجوار، من أفغانستان وباكستان إلى طاجيكستان. يقولون إن كلام وزير الخارجية وليد المعلم عن «محو أوروبا» عن الخريطة لم يكن من قبيل رد الفعل العصبي. ينظرون إلى التحولات الهائلة في العالم نحو تعددية الأقطاب.
تشكل دول «البريكس» 40 في المئة من سكان العالم، وما بين 18 و20 في المئة من الإنتاج العالمي. الصين ستتخطى أميركا قبل العام 2020، والهند قد تحتل المركز الاقتصادي العالمي الأول بعد اقل من 30 عاما. البرازيل احتلت مكان بريطانيا. أميركا مرشحة للتراجع عالميا إلى المرتبة الثالثة بحسب تقرير Wealth report. يقول التقرير أيضا إن نسبة مساهمة دول أميركا الشمالية وأوروبا الغربية في الناتج القومي العالمي سيتراجع من 41 في المئة العام 2010 إلى اقل من 18 في المئة في العام 2050، بينما نسبة دول آسيا سترتفع من 27 في المئة حاليا إلى أكثر من 49 في المئة في العام 2050.
الأخطر من هذا هو أن دول «البريكس» قررت العمل على إصدار عملة موحدة، وأنشأت مصرفها المركزي الخاص. هي ترفض ضمنيا أن تحتكر نيويورك التحويلات العالمية، وترفض هيمنة أميركا على الأمم المتحدة والمؤسسات المالية العالمية.
لو أضيف إلى كل ذلك ان باراك اوباما نفسه يرجو الرئيس الروسي تهدئة الأجواء حتى الانتخابات ويعد بحلول للدرع الصاروخي، يصبح المشهد الدولي أكثر من مهم في الأزمة السورية. لا ينسى السوريون أن ميدفيديف المدافع بشدة عنهم كما الرئيس المقبل فلاديمير بوتين، كان قد قال في تشرين الثاني الماضي ان روسيا تعتزم نشر صواريخها في منطقة كالينغراد التي تشترك حدوديا مع بولندا وليتوانيا، وتصويبها نحو مواقع الصواريخ الدفاعية الأميركية.
باتت روسيا جزءا كبيرا من الحملة الانتخابية الأميركية. رئيس اللجنة الفرعية للقوات المسلحة في مجلس النواب مايكل تيرنر، والمشرف على مسائل الدفاع الصاروخي، حذر أوباما من التراخي أمام الروس. كذلك فعل المرشح الجمهوري ميت رومني الذي اعتبر الروس العدو الاستراتيجي الأول، فرد عليه ميدفيديف بضرورة استخدام عقله قبل الكلام.
لعل التدويل نفع الأسد أكثر من أي وقت مضى. أما المجلس الوطني المعارض، الذي يقول هيثم المناع وميشال كيلو وغــيرهما بأنه ارتكب الخطأ الفادح في السعي للسلاح والتــسلح، فيبدو عالقا بين عجز عربي وتركي عن التحرك، وبين بداية صفقة أميركية ـ روسية ضرورية في عالم اليوم.
إن كلام اردوغان في مؤتمر اسطنبول أمس، وتلعثم نبيل العربي أثناء إلقائه كلمته، واستياء برهان غليون، وغياب أي كلام عن إسقاط الأسد أو تسليح المعارضة في كلام وزير خارجية قطر، كلها أمور تؤكد أن لعبة الأمم انتصرت مرة جديدة، وأن العرب وقفوا كالمعتاد على قارعة الطريق.
يوحي الأسد بأنه انتصر فعلا في المعركة العسكرية وفي إقامة درع دبلوماسية روسية حوله، لكن خصومه سيزيدون الضغط العسكري تفجيرات واغتيالات، والمتضررين من انتصاره العسكري والدبلوماسي سيكثفون الضغوط لنقل الملف مجددا إلى مجلس الأمن وخنق سوريا اقتصاديا، ولذلك فان الأهم هو أن تبدأ المصالحة الحقيقية والإصلاح وتوسيع قاعدة المشاركة في السلطة. هذا وحده ينقذ مستقبل البلاد. السعي والاتصالات تتكثف لإقناع معارضة الداخل بالمجاهرة في القبول بتسوية سياسية.